رحيل هارالد الخامس.. حكاية ملك ودولة حوّلت نفط البحر إلى ثروة للأجيال

بقلم: رئيس التحرير
في صباح اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026، أُسدل الستار على مرحلة مهمة من تاريخ مملكة النرويج، حين أعلن الديوان الملكي النرويجي وفاة الملك هارالد الخامس Harald V عن 89 عامًا، بعد أكثر من خمسة وثلاثين عامًا أمضاها على العرش.
وكان الملك هارالد الخامس قد عانى في الأسابيع الأخيرة من حياته من فقر الدم الانحلالي Hemolytic anemia، وهو اضطراب تتحلل فيه كريات الدم الحمراء بمعدل أسرع من قدرة الجسم على تعويضها. وتلقى الملك علاجًا بالكورتيزون، إلا أن العلاج أدى إلى احتباس السوائل في جسمه، ما استدعى إدخاله إلى مستشفى جامعة أوسلو ريكسهوسبيتاليت Rikshospitalet في 17 أغسطس 2026.
وخلال الأيام التالية تدهورت حالته الصحية، وأعلن الديوان الملكي في 23 أغسطس إصابته بعدوى بكتيرية في مجرى الدم، وبدء علاجه بالمضادات الحيوية. واستجاب للعلاج في البداية واستقرت حالته مؤقتًا، قبل أن يعلن الديوان في 27 أغسطس أن صحة الملك تدهورت مجددًا وأن حالته أصبحت خطيرة جدًا.
وفي صباح اليوم اليوم الجمعة 28 أغسطس 2026، أعلن الديوان الملكي وفاة الملك هارالد الخامس بهدوء في المستشفى عند الساعة 6:35 صباحًا، عن عمر ناهز 89 عامًا، لتنتهي بذلك فترة حكم استمرت أكثر من خمسة وثلاثين عامًا.
لكن رحيل هارالد الخامس يستحق أن نتوقف عنده بأكثر من خبر وفاة ملك.
فالرجل كان ملكًا لدولة يبلغ عدد سكانها نحو 5.64 ملايين نسمة فقط، لكن ناتجها المحلي الإجمالي يتجاوز 500 مليار دولار سنويًا، وأن تؤسس صندوقًا سياديًا تجاوزت قيمته عشرين تريليون كرونة، أي أكثر من تريليوني دولار، أي نحو أربعة أضعاف حجم إنتاجها الاقتصادي السنوي تقريبًا، فضلًا عن كونها واحدة من أهم دول العالم في تصدير النفط والغاز.
إنها قصة تستحق القراءة، لأن النرويج لم تصبح نموذجًا عالميًا لمجرد أنها اكتشفت النفط.
دول كثيرة اكتشفت النفط؛ لكن السؤال الذي جعل التجربة النرويجية مختلفة هو:
ماذا تفعل الدولة بالمال عندما تكتشف ثروة هائلة تحت أرضها أو في بحارها؟
وهنا تبدأ حكاية النرويج.
أولًا: النرويج.. أقل من ستة ملايين نسمة
النرويج Norway، واسمها الرسمي مملكة النرويج Kingdom of Norway، دولة تقع في شمال أوروبا وتشغل الجزء الغربي من شبه الجزيرة الإسكندنافية، وعاصمتها أوسلو Oslo.
وهي دولة طويلة السواحل، تطل على بحر الشمال وبحر النرويج وبحر بارنتس وشمال المحيط الأطلسي، ولها حدود برية مع السويد وفنلندا وروسيا.
وتبلغ مساحة المملكة، بما فيها سفالبارد ويان ماين، نحو 385 ألف كيلومتر مربع.
لكن اللافت هو عدد السكان، فبحسب أحدث بيانات هيئة الإحصاء النرويجية Statistics Norway – SSB، بلغ عدد السكان في نهاية الربع الثاني من 2026 نحو 5,636,904 نسمة فقط.
أي أن دولة يقل سكانها عن ستة ملايين نسمة أصبحت واحدة من أغنى دول العالم.
من هو هارالد الخامس؟
ولد هارالد الخامس Harald V في 21 فبراير 1937، وهو ابن الملك أولاف الخامس Olav V والأميرة مارتا Princess Märtha of Sweden.
وعاش طفولة استثنائية؛ فعندما غزت ألمانيا النازية النرويج في 9 أبريل 1940، غادرت الأسرة المالكة العاصمة، وانتقلت والدته مع أطفالها إلى الولايات المتحدة خلال جزء من سنوات الحرب، بينما أصبحت الأسرة الملكية رمزًا لاستمرار الدولة النرويجية ومقاومة الاحتلال.
عاد هارالد إلى النرويج بعد انتهاء الحرب، وتلقى تعليمه وتدريبه العسكري، ودرس كذلك في جامعة أكسفورد، وكان رياضيًا متميزًا، ولا سيما في رياضة الإبحار، ومثّل بلاده في دورات الألعاب الأولمبية أعوام 1964 و1968 و1972.
وفي 17 يناير 1991 توفي والده الملك أولاف الخامس، فاعتلى هارالد العرش، وأدى قسم المحافظة على الدستور أمام البرلمان في 21 يناير.
واختار الشعار نفسه الذي حمله والده وجده:
«نبذل كل شيء من أجل النرويج» – Alt for Norge.
وكانت واجباته، وفق النظام الدستوري النرويجي، تمثيلية واحتفالية في المقام الأول، لكن الملك ظل رمزًا لوحدة المجتمع، وظهر دوره بوضوح في أوقات الأزمات، ولا سيما بعد الهجمات الإرهابية التي تعرضت لها النرويج في 22 يوليو 2011.
زواج هارالد وسونيا.. تسع سنوات حتى جاءت الموافقة
ومن المحطات اللافتة في حياة الملك هارالد الخامس زواجه من سونيا هارالدسن Sonja Haraldsen، وهي مواطنة نرويجية من عامة الشعب ولا تنتمي إلى أسرة ملكية أو أرستقراطية.
تعارف هارالد وسونيا عام 1959، لكن ارتباط ولي عهد النرويج بامرأة من خارج الأسر الملكية كان أمرًا غير مألوف في ذلك الزمن، ولذلك تأخر زواجهما نحو تسع سنوات، في ظل التحفظات المرتبطة بمكانة ولي العهد ومستقبل الأسرة المالكة.
وكانت المسألة أكثر حساسية لأن هارالد كان الابن الذكر الوحيد للملك أولاف الخامس، ومن ثم كان زواجه وإنجابه مرتبطين باستمرار السلالة الملكية.
وفي النهاية أبلغ هارالد والده بأنه لن يتزوج من امرأة أخرى إذا لم يُسمح له بالزواج من سونيا. وكان لهذا الموقف وزن كبير؛ لأن امتناعه عن الزواج كان يمكن أن يثير مشكلة تتعلق باستمرار السلالة الملكية.
وبعد مشاورات أجراها الملك أولاف الخامس مع الحكومة، وافق على الزواج، وأُعلنت خطبتهما رسميًا في مارس 1968، ثم عقد قرانهما في كاتدرائية أوسلو في 29 أغسطس 1968.
وبعد زواجهما أصبحت سونيا ولية للعهد، ورُزقا بالأميرة مارثا لويز Princess Märtha Louise عام 1971،
ثم الأمير هاكون Haakon عام 1973.
وعندما اعتلى هارالد الخامس العرش في 17 يناير 1991، أصبحت زوجته الملكة سونيا Queen Sonja، وكانت أول ملكة للنرويج منذ 53 عامًا؛ إذ إن آخر من حملت لقب الملكة قبلها كانت الملكة مود Queen Maud، زوجة الملك هاكون السابع، التي توفيت عام 1938، بينما كان الملك أولاف الخامس، والد هارالد، أرمل عندما اعتلى العرش عام 1957، بعد وفاة زوجته الأميرة مارتا عام 1954 قبل أن تصبح ملكة.
وهكذا كان زواجهما محطة مهمة في تاريخ الأسرة المالكة النرويجية، وعكس كذلك تغيرًا تدريجيًا في تقاليد الزواج داخل البيوت الملكية الأوروبية خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
من هي الأسرة المالكة النرويجية؟
تنتمي الأسرة المالكة الحالية إلى بيت غلوكسبورغ House of Glücksburg، وهو أحد البيوت الملكية الأوروبية المعروفة.
وتضم الأسرة المباشرة للملك الراحل زوجته الملكة سونيا،
وابنته الأميرة مارثا لويز Princess Märtha Louise المولودة عام 1971،
وابنه هاكون Haakon المولود عام 1973.
وتزوج هاكون عام 2001 من ميته ماريت Mette-Marit، ولهما الأميرة إنغريد ألكسندرا Ingrid Alexandra المولودة عام 2004، والأمير سفيره ماغنوس Sverre Magnus المولود عام 2005.
وكان هاكون وليًا للعهد طوال حكم والده.
وفي عام 1990 عدلت النرويج قواعد وراثة العرش لتصبح الأولوية للابن الأكبر بغض النظر عن الجنس، لكن التعديل حافظ على القواعد السابقة بالنسبة لمن ولدوا قبل دخوله حيز التنفيذ، ولذلك بقي هاكون متقدمًا في ترتيب الخلافة على شقيقته الأكبر مارثا لويز، وتأتي ابنته إنغريد ألكسندرا بعده.
ملكية عمرها أكثر من ألف عام
ترجع جذور الملكية النرويجية إلى أكثر من ألف سنة، ويرتبط توحيد البلاد تقليديًا بالملك هارالد ذو الشعر الجميل Harald Fairhair في القرن التاسع.
لكن النرويج عاشت قرونًا طويلة ضمن اتحادات سياسية مع الدنمارك ثم السويد.
أما الدولة النرويجية الملكية الحديثة فتعود إلى عام 1905، عندما انتهى اتحاد النرويج مع السويد.
واختير الأمير الدنماركي كارل ليصبح ملكًا على النرويج، لكنه اتخذ اسمًا نرويجيًا تاريخيًا وأصبح:
الملك هاكون السابع Haakon VII.
ثم خلفه ابنه أولاف الخامس Olav V عام 1957، وبعد وفاة أولاف عام 1991 أصبح ابنه هارالد الخامس Harald V ملكًا.
وهكذا حكم ثلاثة ملوك من الأسرة نفسها النرويج منذ الاستقلال الحديث حتى وفاة هارالد الخامس.
النرويج التي امتدت عبر شمال الأطلسي.. آيسلندا وجزر فارو
ولفهم تاريخ النرويج القديم، لا ينبغي النظر إلى حدودها الحالية فقط؛ فخلال العصور الوسطى امتد النفوذ النرويجي عبر مساحات واسعة من شمال المحيط الأطلسي، وارتبط بالتاج النرويجي عدد من الجزر والأقاليم التي أصبحت اليوم خارج المملكة، ومن أبرزها آيسلندا Iceland وجزر فارو Faroe Islands، إلى جانب غرينلاند.
بدأ الاستيطان الإسكندنافي لآيسلندا في أواخر القرن التاسع، وكان عدد كبير من المستوطنين الأوائل قادمين من النرويج أو من مناطق ذات صلة بالعالم الإسكندنافي. وظلت آيسلندا فترة طويلة ذات نظام سياسي خاص بها، قبل أن تخضع في القرن الثالث عشر للملك النرويجي. وفي عام 1262 بدأت عملية خضوع الآيسلنديين للتاج النرويجي من خلال ما يعرف بـالعهد القديم Old Covenant – Gamli sáttmáli، واكتملت خلال السنوات التالية.
أما جزر فارو، الواقعة بين النرويج وآيسلندا، فقد استوطنها الإسكندنافيون منذ عصر الفايكنغ، وارتبطت بالنرويج سياسيًا في العصور الوسطى، وأصبحت هي الأخرى جزءًا من المجال الذي حكمه التاج النرويجي.
ثم حدث التحول الكبير عندما دخلت النرويج في اتحاد مع الدنمارك منذ أواخر القرن الرابع عشر، وأصبحت النرويج وممتلكاتها الأطلسية ضمن الدولة الدنماركية-النرويجية التي استمرت قرونًا.
وجاءت اللحظة الحاسمة في 14 يناير 1814 مع توقيع معاهدة كيل Treaty of Kiel بعد الحروب النابليونية. فقد أُجبرت الدنمارك على التنازل عن النرويج لملك السويد، لكن المعاهدة استثنت صراحة غرينلاند Greenland وآيسلندا Iceland وجزر فارو Faroe Islands، فبقيت هذه الأقاليم تحت التاج الدنماركي.
وهكذا انفصلت عن النرويج أقاليم كانت مرتبطة بها تاريخيًا لقرون.
لكن مصائرها بعد ذلك اختلفت؛
فقد بقيت جزر فارو ضمن مملكة الدنمارك، وحصلت على الحكم الذاتي عام 1948، ولها اليوم برلمانها وحكومتها وسلطات واسعة في إدارة شؤونها الداخلية، مع بقاء بعض الاختصاصات، ومنها السياسة الخارجية والدفاع في إطار المملكة الدنماركية.
أما آيسلندا فسلكت طريقًا مختلفًا. ففي عام 1918 أصبحت دولة مستقلة ذات سيادة تحت اسم مملكة آيسلندا Kingdom of Iceland، لكنها ظلت مرتبطة بالملك الدنماركي في اتحاد شخصي. وفي 17 يونيو 1944، خلال الحرب العالمية الثانية، أنهت هذه الصلة وأعلنت قيام جمهورية آيسلندا Republic of Iceland.
وبذلك نجد أمامنا ثلاثة أقاليم ارتبطت تاريخيًا بالنرويج، لكن انتهت إلى ثلاثة أوضاع مختلفة: آيسلندا أصبحت جمهورية مستقلة، وجزر فارو بقيت إقليمًا يتمتع بالحكم الذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وغرينلاند بقيت هي الأخرى ضمن المملكة الدنماركية بحكم ذاتي واسع.
أما غرينلاند فلها مع النرويج قصة أكثر تعقيدًا وإثارة؛ لأن انفصالها عنها عام 1814 لم يكن نهاية الحكاية، فقد عادت النرويج بعد استقلالها لتطالب بجزء منها، ووصل النزاع بينها وبين الدنمارك إلى القضاء الدولي.
غرينلاند.. عندما امتد تاريخ النرويج إلى أكبر جزيرة في العالم
ولا يكتمل الحديث عن التاريخ النرويجي من دون التوقف عند غرينلاند Greenland، أكبر جزيرة في العالم، والتي ترتبط بالنرويج بقصة تاريخية تعود إلى عصر الفايكنغ، ثم أصبحت بعد قرون موضع نزاع مباشر بين النرويج والدنمارك وصل إلى القضاء الدولي.
وتبدأ القصة مع البحار والمستكشف إريك الأحمر Erik the Red، الذي ولد في النرويج نحو عام 950، ثم انتقلت أسرته إلى آيسلندا. وفي أواخر القرن العاشر وصل إريك إلى غرينلاند، وينسب إليه إطلاق اسم Greenland عليها، وأسس المستوطنون الإسكندنافيون مستعمرات في جنوب غرب الجزيرة منذ نحو عام 985 أو 986.
ومع مرور الزمن توثقت صلة هذه المستوطنات بالنرويج، وفي القرن الثالث عشر اعترف المستوطنون الإسكندنافيون في غرينلاند بسيادة ملك النرويج.
لكن النرويج دخلت منذ عام 1380 في اتحاد مع الدنمارك، ثم تعمقت الوحدة السياسية بين البلدين، وأصبحت الممتلكات القديمة المرتبطة بالتاج النرويجي جزءًا من المملكة الدنماركية-النرويجية.
وجاء التحول الحاسم عام 1814؛
فبعد هزيمة الدنمارك، التي وقفت إلى جانب نابليون، وُقعت معاهدة كيل Treaty of Kiel في 14 يناير 1814. وبموجبها تنازل الملك الدنماركي عن مملكة النرويج لملك السويد.
لكن هناك تفصيلًا بالغ الأهمية:
غرينلاند وآيسلندا وجزر فارو لم تنتقل مع النرويج إلى التاج السويدي، وإنما بقيت تحت التاج الدنماركي.
ومن هنا انفصل المسار السياسي لغرينلاند عن النرويج الحديثة.
لكن النرويج لم تنسَ غرينلاند
عندما استقلت النرويج تمامًا عن السويد عام 1905، عادت مسألة غرينلاند إلى الظهور، ولا سيما أن الصيادين والمستكشفين النرويجيين كانوا نشطين في مناطق شرق الجزيرة.
وفي العقود الأولى من القرن العشرين تصاعد الخلاف بين أوسلو وكوبنهاغن بشأن السيادة على أجزاء من غرينلاند.
وبلغ النزاع ذروته في 10 يوليو 1931 عندما أعلنت النرويج احتلال جزء من شمال شرق غرينلاند، وأطلقت عليه اسم:
أرض إريك الأحمر – Eirik Raudes Land
نسبة إلى المستكشف النرويجي الأصل إريك الأحمر.
رفضت الدنمارك الخطوة، ورفعت القضية إلى المحكمة الدائمة للعدل الدولي Permanent Court of International Justice في لاهاي، وهي المحكمة الدولية التي سبقت محكمة العدل الدولية الحالية.
وهكذا وجدت النرويج والدنمارك، وهما من أقرب الدول الإسكندنافية تاريخًا وثقافة، نفسيهما أمام القضاء الدولي يتنازعان السيادة على جزء من أكبر جزيرة في العالم.
الحكم الذي أنهى المطالبة النرويجية
في 5 أبريل 1933 أصدرت المحكمة الدائمة للعدل الدولي حكمها الشهير في قضية:
الوضع القانوني لشرق غرينلاند – Legal Status of Eastern Greenland
وقضت لصالح الدنمارك، معتبرة أن إعلان الاحتلال النرويجي لا يتفق مع الوضع القانوني القائم والسيادة الدنماركية على غرينلاند.
وقبلت النرويج الحكم وألغت إعلانها عن الاحتلال، وانتهت بذلك المطالبة النرويجية الرسمية بشرق غرينلاند.
وكان هناك نزاع آخر يتعلق بجنوب شرق غرينلاند، لكن النرويج سحبت مطالبتها أيضًا بعد الحكم، وأُغلقت الإجراءات في مايو 1933.
ومنذ ذلك الوقت استقرت السيادة الدنماركية.
واليوم تتمتع غرينلاند بحكم ذاتي واسع، لكنها لا تزال جزءًا من مملكة الدنمارك Kingdom of Denmark،
وهو الموقف الذي تؤيده النرويج رسميًا حتى اليوم؛ وقد أكد رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره في يناير 2026 أن «غرينلاند جزء من مملكة الدنمارك»، وأن النرويج تدعم سيادة المملكة الدنماركية ووحدة أراضيها.
واللافت أن المسار التاريخي دار دورة كاملة:
بدأت المستوطنات الإسكندنافية في غرينلاند برجال قدموا من عالم النرويج وآيسلندا، وخضعت المستوطنات في العصور الوسطى لملك النرويج، ثم بقيت غرينلاند مع الدنمارك عندما انفصلت النرويج عنها عام 1814، وبعد استقلال النرويج الحديث تجدد النزاع عليها، قبل أن يحسم القضاء الدولي القضية للدنمارك عام 1933.
وهكذا فإن غرينلاند ليست مجرد جزيرة بعيدة في تاريخ النرويج، بل فصل مهم لفهم كيف تقلصت المملكة النرويجية القديمة، وكيف تشكلت حدود الدولة النرويجية الحديثة.
ملكية بلا حكم مطلق
النرويج مملكة، لكنها ملكية دستورية وديمقراطية برلمانية.
فالملك رأس الدولة ورمزها، لكن الحكومة هي التي تدير السلطة التنفيذية الفعلية، والبرلمان النرويجي Storting هو المؤسسة التشريعية المنتخبة.
ولهذا حافظت الملكية على مكانتها باعتبارها مؤسسة رمزية جامعة أكثر من كونها مركزًا للسلطة السياسية.
كيف أصبحت النرويج غنية؟
من الخطأ القول إن النرويج دولة غنية لأنها تملك النفط فقط، فقد كانت قبل عصر النفط دولة صناعية وبحرية، لديها الصيد والشحن والطاقة الكهرومائية والصناعة.
لكن اكتشاف النفط غيّر حجم اقتصادها وقدراتها المالية بصورة جذرية.
وتبلغ قيمة الناتج المحلي الإجمالي للنرويج اليوم أكثر من نصف تريليون دولار، وهو حجم ضخم للغاية إذا قورن بعدد السكان البالغ نحو 5.64 ملايين نسمة.
وتقوم قوة الاقتصاد على النفط والغاز، والشحن والصناعات البحرية، والطاقة الكهرومائية، والأسماك وتربية السلمون، والألمنيوم والمعادن، والأسمدة، والصناعات الهندسية والتكنولوجية، والاتصالات والخدمات.
1969.. اليوم الذي تغير فيه تاريخ النرويج
بدأ البحث الجدي عن النفط في الجرف القاري النرويجي في ستينيات القرن العشرين.
ومنذ البداية اتخذت الحكومة قرارًا بالغ الأهمية: السماح للشركات الدولية التي تمتلك الخبرة ورأس المال والتكنولوجيا بالتنقيب، لكن مع احتفاظ الدولة النرويجية بالسيطرة على إدارة الموارد.
وبين 1966 و1969 حُفرت 37 بئرًا.
وفي البداية لم تكن النتائج مشجعة.
لكن في عام 1969 اكتُشف حقل إيكوفيسك Ekofisk في بحر الشمال، وكان الاكتشاف ضخمًا، وبدأ الإنتاج التجريبي في 1971، لتبدأ معه واحدة من أهم التحولات الاقتصادية في تاريخ النرويج الحديث.
الدولة تدخل صناعة النفط بنفسها
لم تكتف النرويج بتحصيل الضرائب من الشركات الأجنبية.
ففي عام 1972 أسست الحكومة شركة النفط الوطنية:
ستات أويل Statoil، التي أصبحت لاحقًا إكوينور Equinor.
وكان الهدف أن تكون للدولة أداة تجارية مباشرة داخل صناعة النفط والغاز، وأن تكتسب النرويج الخبرة والتكنولوجيا ولا تظل مجرد مالك للموارد يعتمد على الشركات الأجنبية.
وكانت الشركة مملوكة بالكامل للدولة عند تأسيسها، ثم أدرجت في بورصتي أوسلو ونيويورك عام 2001 مع احتفاظ الدولة بحصة أغلبية قدرها 67%.
وفي 2018 تغير اسمها من Statoil إلى Equinor لتعكس تحولها من شركة نفط تقليدية إلى شركة طاقة أوسع نشاطًا.
عندما بدأت النرويج تخاف من أموال النفط!
وهنا تبدأ القصة الأجمل، فلم يكن السؤال في أوسلو:
كيف ننفق كل هذه الأموال؟
بل بدأ الاقتصاديون والسياسيون يسألون:
ماذا سيحدث لاقتصادنا إذا أنفقناها كلها؟
فالتدفق الهائل للأموال قد يرفع الإنفاق والأسعار والأجور، ويزيد قيمة العملة، ويجعل الصناعات المحلية أقل قدرة على المنافسة، ويخلق اقتصادًا يعتمد على مورد واحد قد ينضب أو تنهار أسعاره.
ومن هنا بدأت فكرة عزل جزء كبير من أموال النفط عن الاقتصاد المحلي.
1974.. السؤال يُطرح رسميًا
في عام 1974 قدمت وزارة المالية إلى البرلمان تقريرًا بعنوان يتعلق بـ«دور النشاط البترولي في المجتمع النرويجي».
كان السؤال الأساسي فيه: كيف ينبغي استخدام الثروة النفطية؟
لم يكن الصندوق قد أنشئ بعد، لكن التفكير الذي سيقود إليه كان قد بدأ.
1983.. الرجل واللجنة التي بلورت الفكرة
وفي عام 1983 جاءت محطة شديدة الأهمية قلما تذكر عند الحديث المختصر عن الصندوق.
شكّلت النرويج لجنة عرفت باسم لجنة تمبو Tempo Committee، وترأسها الاقتصادي ومحافظ البنك المركزي النرويجي السابق هيرمود سكونلاند Hermod Skånland.
واقترحت اللجنة إنشاء صندوق تضع فيه الحكومة التدفقات الكبيرة والمؤقتة من الإيرادات النفطية، على أن تحد من الإنفاق وتعتمد على العائد الحقيقي للثروة بدل استنزاف أصلها.
كانت الفكرة شديدة البساطة والعمق:
النفط مورد مؤقت، فلماذا نعامل إيراداته وكأنها دخل دائم؟
1990.. ولادة صندوق بلا مال!
وفي عام 1990 أقر البرلمان النرويجي قانون إنشاء صندوق البترول الحكومي Government Petroleum Fund.
وكان الهدف حماية المالية العامة والاقتصاد من تقلبات أسعار النفط، وتوفير هامش للحكومة في أوقات الأزمات، والاستعداد لانخفاض الإيرادات النفطية مستقبلًا، ومواجهة الزيادة المتوقعة في تكاليف معاشات السكان مع تقدمهم في العمر.
لكن المفاجأة أن الصندوق عند إنشائه لم يكن ممتلئًا بالمليارات، بل لم تُحوَّل إليه أموال فورًا؛
ست سنوات والصندوق ينتظر أول كرونة،
مرت الأعوام:
1990..
1991..
1992..
1993..
1994..
1995..
ولم يحدث التحويل الأول؛
لماذا؟
لأن المالية العامة لم تكن قد حققت الفائض الذي يسمح بذلك.
وهذه واحدة من أكثر تفاصيل التجربة النرويجية إثارة؛ فقد أنشأت الدولة المؤسسة والقانون قبل أن يكون لديها المال الذي ستضعه فيها.
ثم جاء يوم 30 مايو 1996؛ وكان وزير المالية آنذاك سيغبيورن يونسن Sigbjørn Johnsen هو من قام بأول تحويل إلى صندوق البترول الحكومي.
المبلغ:
نحو 1.98 مليار كرونة نرويجية، أي قرابة 200 مليون دولار بالقيمة الاسمية التقريبية بأسعار الصرف الحديثة للمقارنة فقط.
وهكذا بدأت رحلة صندوق سيصبح لاحقًا الأكبر من نوعه في العالم.
لماذا استثمرت الأموال خارج النرويج؟
هذا قرار عبقري آخر؛ الأموال التي دخلت الصندوق لم تُستخدم لشراء العقارات والشركات داخل النرويج، وإنما تقرر أن تستثمر خارج البلاد.
والسبب اقتصادي؛ فإذا دخلت مئات المليارات من عائدات النفط إلى اقتصاد صغير عدد سكانه بضعة ملايين فقط، فإنها قد ترفع الأسعار والأجور وقيمة العملة بصورة تضر بالصناعة والقطاعات الأخرى.
لذلك تحولت ثروة النفط إلى أصول أجنبية.
بمعنى آخر:
تبيع النرويج النفط للعالم، ثم تعيد استثمار جانب كبير من ثمنه في اقتصاد العالم.
كيف تطور الصندوق؟
في 1996 بدأ بنحو 1.98 مليار كرونة.
وفي 1997 كانت أمواله مستثمرة أساسًا في السندات الحكومية الأجنبية، ثم تقرر السماح باستثمار 40% في الأسهم.
وفي 1 يناير 1998 تأسست إدارة الاستثمار في البنك المركزي النرويجي:
Norges Bank Investment Management – NBIM
لتدير الصندوق نيابة عن وزارة المالية.
وبحلول نهاية 1998 بلغت قيمته نحو 113.4 مليار كرونة.
وفي 2000 أضيفت أسواق ناشئة إلى استثماراته.
وفي 2002 أضيفت سندات الشركات.
وفي 2004 وضعت للصندوق إرشادات أخلاقية للاستثمار.
ثم توسعت استثماراته لاحقًا إلى العقارات والبنية التحتية للطاقة المتجددة.
وفي 2019 تجاوزت قيمته 10 تريليونات كرونة، أي نحو تريليون دولار تقريبًا.
وفي 2023 تجاوز 15 تريليون كرونة، أي نحو 1.5 تريليون دولار تقريبًا.
وفي 2024 تجاوز للمرة الأولى 20 تريليون كرونة، أي قرابة تريليوني دولار. (nbim.no)
من أين تأتي أموال الصندوق؟
الصندوق ليس حسابًا تضع فيه شركة النفط أرباحها فقط، فإيرادات الدولة البترولية تأتي عبر منظومة متكاملة تشمل الضرائب المفروضة على الشركات النفطية، والدخل الناتج عن الملكية الحكومية المباشرة في بعض الحقول والأصول البترولية، والأرباح التي تحصل عليها الدولة من ملكيتها في شركات مثل إكوينور، إضافة إلى الإيرادات الأخرى المرتبطة بالقطاع.
ومنذ أول تحويل عام 1996 وحتى 2025 بلغ صافي التدفق النقدي الحكومي المتراكم من الأنشطة البترولية نحو 13 تريليون كرونة بأسعار 2026، أي ما يقارب 1.3 تريليون دولار تقريبًا.
النفط صنع البداية.. والاستثمار صنع العملاق
وهنا رقم مذهل آخر؛
بحلول منتصف 2026 أصبح العائد الاستثماري وحده مسؤولًا عن أكثر من نصف قيمة الصندوق.
ومنذ 1998 حقق الصندوق متوسط عائد سنوي بلغ نحو 6.86%، وبلغت العوائد الاستثمارية المتراكمة نحو 15.21 تريليون كرونة، أي ما يقارب 1.5 تريليون دولار تقريبًا.
أي أن الأموال التي ولّدتها الاستثمارات أصبحت أكبر من كثير من الأموال التي جاءت أصلًا من بيع النفط.
وهنا انتقلت النرويج من مرحلة:
النفط يصنع الثروة
إلى مرحلة:
الثروة تصنع ثروة جديدة.
لماذا لا تنفق الحكومة أموال الصندوق؟
لأن الصندوق ليس حصالة مفتوحة؛
تطبق النرويج ما يعرف بـالقاعدة المالية Fiscal Rule، ومضمونها أن الإنفاق الحكومي من الثروة النفطية ينبغي على المدى الطويل ألا يستهلك رأس مال الصندوق، وإنما يدور حول العائد الحقيقي المتوقع منه، والمقدر حاليًا بنحو 3% سنويًا.
وتسمح القاعدة بمرونة أكبر في فترات الركود وأقل في فترات الانتعاش.
والفكرة واضحة:
الأبناء والأحفاد الذين سيولدون بعد نضوب النفط لهم نصيب في الثروة أيضًا.
وقبل النرويج بـ37 عامًا.. الكويت أنشأت أول صندوق سيادي في العالم
وعند الحديث عن التجربة النرويجية، من المهم التوقف عند التجربة الكويتية التي سبقتها بعقود؛ فالكويت هي صاحبة أقدم صندوق ثروة سيادي في العالم.
بدأت القصة في عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح، الذي أصدر في 23 فبراير 1953 قرار إنشاء مجلس الاستثمار الكويتي Kuwait Investment Board – KIB، واتخذ المجلس من مدينة لندن مقرًا له، وكان ذلك قبل استقلال الكويت بثماني سنوات.
وكان عند إنشائه أول صندوق ثروة سيادي والوحيد من نوعه في العالم آنذاك، وأن مهمته كانت استثمار فوائض عائدات