“طاقة الصخور”.. هل يصبح باطن الأرض “البطارية” التي نحتاجها للتحول في مجال الطاقة؟

تخزين الطاقة في باطن الأرض قد يبدو كأنه من عالم الخيال العلمي، لكنه في الواقع ممارسة ليست جديدة تماماً في سياق البحث الجيولوجي. فمنذ سبعينيات القرن الماضي، ومع أولى التجارب في كهوف الملح بألمانيا، عُرف هذا الأسلوب الذي يفتح عالماً من الاحتمالات في مجال الطاقة المتجددة والحاجة إلى تخزينها.
اعلان
اعلان
يشرح ريكاردو بيريرا، الباحث في مركز “GeoBioTec” بكلية العلوم والتكنولوجيا في جامعة “نوفا” في لشبونة، في حديثه إلى “يورونيوز”: “أحد الإشكالات المصاحبة لعملية الانتقال الطاقي هو توافر كمية أكبر من الطاقة من مصادر متجددة لا يمكننا تخزينها”. ويضيف: “يمكن استخدام هذا الفائض من الطاقة الكهربائية وتخزينه مؤقتاً في الصخور في ما تحت سطح الأرض، على أعماق 500 أو 1000 أو 2000 متر”.
ويتابع: “باستخدام الأرض والصخور، كـنوع من البطاريات، يمكننا تخزين كميات من الطاقة القادرة على تغذية مدن صغيرة، وهذه هي الميزة الكبرى لهذه التكنولوجيا”.
في حالة الصخور المسامية، تقوم العملية على تشغيل ضواغط الهواء باستخدام فائض الكهرباء المولدة من مصادر متجددة مثل توربينات الرياح أو الألواح الشمسية. هذه الضواغط تدفع الهواء، من دون هيدروجين أو ثاني أكسيد الكربون وبالتالي من دون خطر انفجار، عبر بئر إلى طبقة من الصخور المسامية في أعماق الأرض.
يمتلئ الهواء بالفراغات بين حبيبات الصخر، وهي فراغات تكون عادة مليئة بمياه مالحة غير صالحة للشرب. تُدفَع هذه المياه إلى الخارج من دون تلويث أي مصدر مخصص للاستهلاك البشري. ويظل الهواء محتجزاً هناك تحت الضغط، تماماً مثل “بطارية مشحونة”، يمكن استخدام طاقتها عند الحاجة.
عند الضرورة، يصعد الهواء المضغوط عبر البئر، ويتمدد، وتُستغَل قوة التمدد في تشغيل توربينات على السطح تولد الكهرباء، تماماً كما في محطة تقليدية، ولكن من دون حرق وقود.
ريكاردو بيريرا أحد العلماء البرتغاليين الذين أعدوا دراسة سعت إلى فهم كمية الطاقة التي يمكن تخزينها، تبعاً لخصائص الظروف الصخرية المختلفة.
ويقول موضحاً لـ”يورونيوز”: “تقيّم هذه الدراسة، استناداً إلى الظروف الجيولوجية وعلى أعماق مختلفة، كمية الطاقة التي يمكن فعلياً تخزينها في ظل متغيرات فيزيائية أو ترموديناميكية مختلفة“. ويوضح أنه “تم تطوير سيناريوهات متعددة” بهدف “تقديم فكرة عن أقصى طاقة يمكن تخزينها على أعماق مختلفة”.
طاقة مخزنة لمدينة كاملة
من بين أولويات الطاقة لدى المفوضية الأوروبية زيادة قدرة تخزين الطاقة التي تُعد “لا غنى عنها”. تمتلك أوروبا حالياً نحو 55 جيغاواط من القدرة التخزينية، والهدف هو بلوغ 200 جيغاواط بحلول عام 2030، من أجل حل اختناقات الشبكة التي تزيد من مخاطر الانقطاعات الكهربائية والاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
وفي هذا العجز في القدرة (بالجيغاواط) يمكن أن يبرز دور تخزين الهواء المضغوط في الصخور المسامية؛ فعلى عكس بطاريات أيونات الليثيوم التي تهيمن حالياً على السباق، تستهدف هذه التكنولوجيا التخزين طويل الأمد، مستفيدة من مورد طبيعي متوافر على نطاق واسع.
البحث، وهو شراكة بين باحثين من جامعة “نوفا” في لشبونة ومعهد “دوم لويس” بكلية العلوم في جامعة لشبونة، نُشر في مجلة “Geoenergy” (المصدر باللغة البرتغالية)، وخلص إلى أنه، وفقاً للسيناريوهات التي جرى تحليلها، “يُعد نظام واحد “أديباتيكي-إيزوباري” الأكثر ملاءمة، إذ يمكن أن يوفر حتى 156 كيلوواط ساعة لكل متر مكعب من كثافة الطاقة وأن يصل إلى سعة تخزين تقارب واحد تيراواط ساعة على عمق تشغيلي أقصى يبلغ 3000 متر”.
ويضيف ريكاردو بيريرا: “من المنطقي أن هذا سيناريو أقصى الحدود، حيث تتوافر كل الشروط المثالية”، مشيراً إلى أن هذه القيم تمثل مع ذلك “تصوراً لحجم هذا النظام وإمكاناته القصوى”.
ويتابع: “بين قيمة دنيا تقديرية وقيمة عظمى نظرية، توجد مجموعة واسعة من الاحتمالات. لكن ما يبيّنه هذا البحث هو أنه في حالة خزان واحد فقط، ونحن نتحدث عن محاكاة لحالة واحدة في أكثر الظروف ملاءمة، فإن هذا الواحد تيراواط ساعة يقترب كثيراً من استهلاك بعض المدن المتوسطة في البرتغال“.
“بلاك ستارت”: هل كان بالإمكان التخفيف من آثار الانقطاع الشامل؟
إلى جانب السعة التخزينية الكبيرة، يعمل هذا النظام وفق ما يسمى “بلاك ستارت”، أي قدرة نظام كهربائي على الانطلاق من جديد من دون الاعتماد على الشبكة.
ويشرح الباحث: “الهواء المضغوط متوافر تقريباً بشكل فوري، وبالتالي يتيح تشغيل النظام أو إيقافه في لحظات”، الأمر الذي يسمح باستقرار الشبكة الكهربائية، وهي ميزة مفيدة في حالات مثل الانقطاع الشامل في شبه الجزيرة الأيبيرية. ويضيف: “ربما لو كان لدينا هذا النظام يعمل في عام 2025 لكان بالإمكان تجنب بعض تلك المشكلات”.
ويقول: “من الواضح أن مشكلة الانقطاع كانت أوسع بكثير، وأن هذا ليس وصفة سحرية لحل وضع مماثل، لكنه يسمح بالمساعدة في إدارة القدرة على الشبكة“.
وبحسب الباحث، فإن تحديد المناطق والخصائص الجغرافية في البرتغال التي يمكن فيها تنفيذ عمليات من هذا النوع يعد عملاً بحثياً جارياً، غير أن الدراسة تسمح بالفعل باستخلاص استنتاجات واضحة تساعد في هذا التخطيط.
ويقول: “هذا بالفعل أحد الجوانب الابتكارية في هذه الدراسة؛ فهي تُظهر أولاً أنه كلما ازداد عمق الخزان في الصخور المسامية، ازدادت كمية الطاقة التي يمكن تحريرها”. ويضيف أن ذلك يسمح “بالمقارنة مع استهلاك بعض التجمعات السكانية الساحلية، وخصوصاً المدن الأكثر تصنيعاً، وقياس الأثر الذي يمكن أن يكون لهذه التقنية حتى على عملية إزالة الكربون في بعض المناطق وزيادة الاستقلالية الطاقية في مواجهة استهلاك الوقود الأحفوري”.
ومن بين المناطق ذات الإمكانات الكبيرة المذكورة في الدراسة مدينتا لشبونة وألمادا، وهما منطقتان ذات كثافة سكانية وصناعية مرتفعة.
التشريعات هي العائق الرئيسي
في الوقت الراهن، ما تزال هذه التكنولوجيا في البرتغال على الورق فقط، مع أفق للتطبيق يتراوح، بحسب الباحث، بين خمسة وعشرة أعوام، تبعاً للمراحل المختلفة التي تتطلبها: الدراسة الجيولوجية، حفر الآبار، المشروع التجريبي ثم بدء التشغيل.
ويشرح: “هناك مجموعة كاملة من الدراسات التي يجب إنجازها منذ البداية، بدءاً من التعرف إلى الجيولوجيا في ما تحت سطح الأرض في موقع معين. كل مشروع يمثل في حد ذاته تحدياً تقنياً، ولذلك فإن الدراسات الأولية وحدها تستغرق بعض الوقت”.
وبحسب ريكاردو بيريرا، فإن تخزين الطاقة بواسطة الهواء المضغوط يمثل حلاً “مجزياً للغاية” من حيث الجدوى المالية، خصوصاً عند مقارنة تكاليفه بتقنيات أخرى مثل الهيدروجين الأخضر “ذي التكاليف المرتفعة جداً”.
ويشير إلى أن الصين من بين الدول الرئيسية التي تستثمر في مشاريع من هذا النوع، إذ توجد مشاريع عدة قيد التنفيذ أو الدراسة. أما في أوروبا، فتعرض ألمانيا بعض المشاريع أيضاً، وإن من دون نتائج كبيرة حتى الآن، لأن “هذه التقنيات تحتاج إلى سنوات للتخطيط والهندسة قبل دخولها الخدمة”.
وفي البرتغال، لا يتمثل العائق الرئيسي في الجانب الاقتصادي بل في الإطار التنظيمي.
ويقول الباحث: “حتى اليوم، وبقدر ما أعلم، لا توجد تشريعات محددة تسمح بتنفيذ مشاريع من هذا النوع في البرتغال. فكل ما يوجد تحت أقدامنا ملك للدولة، أي لنا جميعاً، وبالتالي لا بد من وضع لوائح خاصة بهذه التكنولوجيا، كما هو الحال حالياً بالنسبة لتخزين ثاني أكسيد الكربون”.
ويضيف: “حتى لو كانت هناك شركة جريئة ترغب في الاستثمار وتود القيام بأعمال دراسية تمهيدية لمشروع تجريبي وصولاً إلى مرحلة الإنتاج، فإن غياب القانون يجعل ذلك مستحيلاً. (…) هناك حاجز فعلي يمنع الشركات في البرتغال من إطلاق حتى دراسة أولية متماسكة”.
ويشير الباحث إلى أن البرتغال ما زالت تفتقر إلى فهم دقيق لتأثير هذه التكنولوجيا في الاستهلاك الطاقي على المستوى الوطني. ويوضح: “يمكننا أن نتخيل أنه إذا كان بالإمكان في منطقة ما خفض استهلاك الغاز الطبيعي خلال الليل بنسبة خمسة أو عشرة أو خمسة عشر في المئة، فما أثر ذلك على المستوى المحلي أو حتى الوطني”، لافتاً إلى أن البلاد تمتلك مساحة جيولوجية واسعة ذات إمكانات كبيرة.
ويتابع: “إذا عرفنا جيولوجيا المنطقة جيداً، ونتحدث هنا عن تحليل أولي لحزام يمتد من لشبونة إلى أفيرو، في ما يعرف جيولوجياً باسم حوض لوزيتانيا، الذي يضم مجموعة من الصخور ذات قدرة محتملة على العمل كخزانات. نتحدث عن مساحة شاسعة هي في الوقت نفسه من أكثر مناطق البلاد تصنيعا، وتتمتع بانتشار كبير للطاقة الرياحية والشمسية وحتى الكهرومائية، أي بتوافر الطاقة اللازمة لتغذية هذه العملية”.
وبناءً على الدراسات المنجزة حتى الآن، يرى ريكاردو بيريرا أنه، من منظور الاستدامة البيئية، “لدى هذه المنهجية مقومات الاستمرار”. وقد تشكل حتى حلاً للشبكة الكهربائية، وإذا ما توافرت مجموعة من الشروط، “فربما، بعد عشرة أعوام، إذا سارت الأمور على ما يرام، يكون لدينا مشاريع للهواء المضغوط قيد التشغيل تساعد في إدارة الشبكة وتخفيف مشكلات الطاقة بطريقة ميسورة الكلفة وبنفقات معقولة”.